محمد حسين الذهبي
308
التفسير والمفسرون
يشذون بها عمن عداهم من بعض فرق الخوارج ، وهي في مظهرها التفسيري أكثر تعصبا ، وأبلغ تعنتا ، فمن ذلك : أن نافع بن الأزرق كان لا يرى جواز التقية التي هي في الأصل من مبادئ الشيعة ، ويستدل على حرمتها بقوله تعالى في الآية ( 77 ) من سورة النساء « . . . إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ » ويرى نجدة بن عامر جواز التقية ، ويستدل على ذلك بقوله تعالى في الآية ( 28 ) من سورة غافر « وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ » . وأظهر من هذا : أن نجدة بن عامر كان لا يصوب نافع بن الأزرق فيما يقول به من إكفار القعدة ، واستحلال قتل أطفال مخالفيه ، وعدم رد الأمانات إلى مخالفيه ، وغير ذلك من آرائه التي شذ بها ، فأرسل نجدة إلى نافع رسالة يقول له فيها : ( . . . وأكفرت الذين عذرهم اللّه تعالى في كتابه من قعدة المسلمين وضعفتهم . قال اللّه عز وجل - وقوله الحق ووعده الصدق - : « لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ » « 1 » ثم سماهم - تعالى - أحسن الأسماء فقال « ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ » « 1 » . ثم استحللت قتل الأطفال وقد نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن قتلهم ، وقال اللّه جل ثناؤه « وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى » « 3 » وقال سبحانه في القعدة خيرا فقال « وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً » « 4 » فتفضيله المجاهدين على القاعدين لا يدفع منزلة من هو دون المجاهدين . . أو ما سمعت قوله تعالى « لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ » « 4 » فجعلهم من المؤمنين ، ثم إنك لا تؤدى الأمانة إلى من خالفك واللّه تعالى قد أمر أن تؤدى الأمانات إلى أهلها ، فاتق اللّه في نفسك ؛ واتق يوما لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا ، فإن اللّه بالمرصاد ، وحكمه العدل ، وقوله الفصل . والسلام ) .
--> ( 1 ) في الآية ( 91 ) من سورة التوبة . ( 3 ) في الآية ( 164 ) من سورة الأنعام . ( 4 ) في الآية ( 95 ) من سورة النساء .